الشيخ محمد هادي معرفة
442
تلخيص التمهيد
التمويه لغرض تأويله إلى أهداف باطلة ذريعة إلى تشويه الحقيقة ، وهم أهل الزيغ والانحراف ممَّن يبغي الفساد بين العباد . وفرقة ثالثة - هم الراسخون في العلم المؤمنون حقّاً - يقفون عند المتشابه يتأمّلونه بدقيق النظر ، ولسان حالهم : أنّ هذا المتشابه - كأخيه المحكم - صادر عن مقام الحكمة تعالى وتقدَّس ، فلابدّ أنَّ وراء ظاهره المتشابه حقيقة راهنة تكون هي المقصودة بالذات . وهذه الفكرة عن المتشابه هي الَّتي تدعو المؤمنين حقّاً الراسخين في العلم إلى البحث والتحقيق عن تخريجه الصحيح . والباحث الصادق أمام المتشابه لا يضطرب اضطراب الجاهل الَّذي وضع إيمانه على حرف « فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ » « 1 » ولا يتروَّغ مراوغة المعاند الغاشم ، ليجعل من المتشابه ذريعة للعيث والفساد في الأرض « فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ » « 2 » . وإنّما يقف عنده وقفة المتأمّل الفاحص عن جليّ الأمر ، ولا شكّ أنَّه سوف يحتضن مطلوبه بفضل استقامته وثباته على إيمانه الصادق ، وقد جرت سنَّة اللَّه في خلقه : أنّ من جدَّ وجد ومن لجَّ ولج . قال تعالى : « وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ » « 3 » . والخلاصة : إنَّ الراسخين في العلم بفضل ثباتهم على العقيدة الصادقة سوف يهتدون إلى معرفة تأويل المتشابه كما أراد اللَّه ، ويكون قولهم : « آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا » تمهيداً لطلب الحقيقة ، ونقطة باعثة نحو البحث عن طرق التحقيق والفحص . وهكذا قال الشيخ محمّد عبده : وأمّا دلالة قولهم : « آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا » على التسليم المحض فهو لا ينافي العلم ، فإنّهم إنّما سلَّموا بالمتشابه في ظاهره أو بالنسبة إلى
--> ( 1 ) الحجّ : 11 . ( 2 ) آل عمران : 7 . ( 3 ) العنكبوت : 69 .